انتخابات المجلس الأعلى للسلطة القضائية.. السبت موعد الحسم واختبار استقلال القرار داخل الجسم القضائي

رصد العدالة

تتجه أنظار الأسرة القضائية بالمغرب، يوم السبت 17 أكتوبر 2026، إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثلي القضاة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، في استحقاق مهني ومؤسساتي تتجاوز أهميته مجرد التنافس على المقاعد، ليطرح سؤالاً جوهرياً حول استقلال القرار الانتخابي، ومدى قدرة القضاة على اختيار من يرونه الأقدر على الدفاع عن مصالحهم المهنية وصون استقلال السلطة القضائية.

وتكتسي هذه الانتخابات أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المؤسسة التي ستستقبل الممثلين الجدد، وإلى المسؤوليات المرتبطة بالعضوية داخل المجلس، الذي يضطلع بأدوار أساسية في تدبير المسار المهني للقضاة وحماية استقلالهم، وفق الاختصاصات التي يحددها الدستور والقانون. ومن ثم، فإن اختيار الممثلين لا يتعلق فقط بالأسماء المتنافسة، بل أيضاً بمعايير الثقة والكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية.

ويأتي هذا الاستحقاق برسم الولاية الثالثة للمجلس، الممتدة من 2027 إلى 2031، حيث يُنتظر انتخاب عشرة ممثلين للقضاة، موزعين بين أربعة عن محاكم الاستئناف وستة عن محاكم أول درجة. وهو توزيع يجعل من التمثيلية المهنية عنصراً أساسياً في هذه العملية، ويضع الناخبين أمام مسؤولية اختيار من يستطيع التعبير عن انتظاراتهم والدفاع عنها داخل المؤسسة، بعيداً عن الاعتبارات التي لا ترتبط بالكفاءة والاستحقاق.

وفي هذا السياق، يبرز التأطير الذي اعتمده المجلس الأعلى للسلطة القضائية لتنظيم العملية الانتخابية، تحت رئاسة الرئيس المنتدب للمجلس، محمد عبد النبوي، باعتباره محاولة لتوفير شروط أوضح للتنافس، وتحديد الضوابط المؤطرة للتعريف بالمترشحين، مع التشديد على احترام أخلاقيات المهنة وواجب التحفظ الذي يميز الوظيفة القضائية.

وقد شمل هذا التأطير مراجعة تجربة انتخابات سنة 2021، والاستفادة من الممارسات الإيجابية التي رافقتها، إلى جانب الوقوف على الجوانب التي تستدعي التطوير. كما شكل التشاور مع الجمعيات المهنية للقضاة إحدى محطات الإعداد، في أفق وضع قواعد تساعد على حماية حرية الاختيار وتوفير فرص متقاربة أمام المتنافسين.

ولا تتوقف أهمية هذه الضوابط عند تنظيم الحملات الانتخابية، بل تمتد إلى طبيعة الخطاب الذي ينبغي أن يسود داخل الجسم القضائي خلال هذه المرحلة. فالتعريف بالمسار المهني والخبرة والتصورات المرتبطة بتمثيل القضاة يظل أمراً مشروعاً في الحدود التي تسمح بها القواعد المنظمة، غير أن هذا الحق لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل لممارسة الضغط المعنوي أو استثمار العلاقات المهنية في توجيه اختيارات الناخبين.

ومن هنا، تكتسب التدابير المتعلقة بوسائل التواصل الانتخابي أهمية خاصة، من خلال إتاحة إمكانات مشتركة للتعريف بالمترشحين، تشمل المطبوعات الرقمية والوصلات المصورة واللقاءات المنظمة عن بُعد والحضورية. والغاية من هذه الآليات هي أن تتاح للقاضي فرصة تكوين قناعته بناءً على معرفة المترشح ومساره المهني، لا بناءً على قدرته على الحشد أو حجم شبكة علاقاته.

وفي المقابل، يظل دور الجمعيات المهنية موضوعاً يستحق التوقف عنده، خصوصاً في ضوء الميثاق الأخلاقي الموقع بتاريخ 16 يوليوز الماضي، والذي تضمن التزامات مرتبطة بعدم تقديم مترشحين باسم الجمعيات أو دعمهم انتخابياً، فضلاً عن الضوابط المتعلقة بمرافقة المترشحين خلال تنقلاتهم وزياراتهم للمحاكم.

ولا يعني ذلك إبعاد الجمعيات المهنية عن القضايا التي تهم القضاة، بل يقتضي التمييز بين دورها في الدفاع عن الحقوق المهنية وتعزيز استقلال القضاء والتحسيس بقواعد الانتخابات، وبين القرار الفردي الذي يعود إلى كل قاضٍ عند الإدلاء بصوته. فالمسؤولية الجمعوية يمكن أن تسهم في إنجاح الاستحقاق، دون أن تتحول إلى وسيلة للتأثير في الاختيارات الشخصية للناخبين.

إن الرهان الحقيقي في هذه المحطة لا يكمن فقط في احترام الإجراءات القانونية والتنظيمية، وإنما في ترجمتها إلى ممارسة يومية تحترم إرادة القضاة وتضمن تكافؤ الفرص بين المترشحين. فالقواعد، مهما بلغت دقتها، تظل بحاجة إلى وعي جماعي بأهمية عدم استغلال الموقع المهني أو الروابط الشخصية أو الانتماءات الجمعوية للتأثير في قرار يفترض أن يصدر عن قناعة مستقلة.

كما أن مسؤولية حماية نزاهة الاستحقاق لا تقع على المؤسسة المشرفة وحدها، بل تتقاسمها مختلف الأطراف المعنية، من مترشحين وجمعيات مهنية وناخبين، كل من موقعه. فالمترشح مطالب بتقديم نفسه على أساس الكفاءة والنزاهة والقدرة على التمثيل، والناخب مطالب باستحضار المصلحة المهنية والمؤسساتية، فيما تظل الجمعيات مدعوة إلى احترام الالتزامات الأخلاقية التي تعهدت بها.

وفي هذا الإطار، فإن الدور المنسوب إلى محمد عبد النبوي في قيادة مسار الإعداد التنظيمي يظل مرتبطاً بمدى قدرة الضمانات المعتمدة على توفير بيئة انتخابية سليمة، تسمح للقضاة بممارسة حقهم بعيداً عن كل أشكال التأثير غير المشروع. أما التقييم النهائي لهذه التجربة، فلن تحسمه النصوص وحدها، بل ستحدده أيضاً كيفية احترامها على أرض الواقع، ومدى الثقة التي ستعكسها النتائج في نظر الأسرة القضائية.

وتفرض طبيعة المسؤولية المنتظرة من الممثلين الجدد أن يكون الاختيار قائماً على معايير واضحة، في مقدمتها الاستقامة المهنية، والاستقلال في اتخاذ القرار، والقدرة على الإنصات إلى انشغالات القضاة بمختلف درجاتهم ومحاكمهم، والعمل على نقلها داخل المجلس بروح المسؤولية والتجرد. فالتمثيلية ليست امتيازاً شخصياً، وإنما تكليف يستوجب الدفاع عن المصالح المشروعة للقضاة في إطار احترام استقلال المؤسسة والقانون.

ويشكل الاقتراع السري الفردي، وفق القواعد المنظمة للعملية، إحدى الضمانات الأساسية لحماية إرادة الناخب. فسرية التصويت ليست مجرد إجراء تقني، بل هي عنصر جوهري في تكريس حرية الاختيار، لأنها تمنح كل قاضٍ إمكانية التعبير عن موقفه دون أن يكون ملزماً بالكشف عنه أو تبريره أمام أي جهة.

ومع اقتراب موعد الحسم، يبقى التحدي الأكبر هو أن تمر هذه الانتخابات في أجواء يسودها الاحترام المتبادل والتنافس المسؤول، وأن تُحترم نتائج الصناديق باعتبارها التعبير النهائي عن إرادة الناخبين، بعيداً عن أي تأويلات أو ضغوط قد تمس الثقة في العملية الانتخابية.

فالسبت 17 أكتوبر ليس مجرد موعد لاختيار عشرة ممثلين، بل محطة لقياس مدى ترسخ ثقافة الاستقلال والمسؤولية داخل الجسم القضائي. وإذا كانت الضمانات التنظيمية تشكل الإطار الضروري لحماية الاختيار، فإن الوعي المهني للقضاة يظل العنصر الحاسم في تحويل هذه الضمانات إلى ممارسة فعلية.

وفي نهاية المطاف، لن تقاس قيمة هذا الاستحقاق بعدد الأصوات التي يحصل عليها كل مترشح فحسب، بل بمدى قدرة المنتخبين على ترجمة الثقة التي نالوها إلى عمل مؤسساتي مسؤول، يحمي الحقوق المهنية للقضاة ويعزز استقلال السلطة القضائية. فالصندوق يحسم المنافسة، لكن الالتزام يبدأ بعد إعلان النتائج، حين يصبح التمثيل مسؤولية يومية أمام القضاة والمؤسسة والقانون.

Author: rassd al adala

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *