رصد العدالة
لم تعد ظاهرة الدراجات النارية المزعجة مجرد سلوك معزول أو حالات فردية، بل تحولت في عدد من المدن إلى مصدر قلق يومي يهدد سلامة المواطنين وطمأنينتهم. فبين ضجيج المحركات المعدلة وسرعات مفرطة واستعراضات خطيرة، يجد المواطن نفسه محاصرًا بمظاهر من الفوضى التي تتنافى مع أبسط قواعد العيش المشترك واحترام القانون.
إن استعمال الدراجة النارية، باعتبارها وسيلة نقل مشروعة، يظل حقًا مكفولًا في إطار الضوابط القانونية. غير أن هذا الحق يتحول، في كثير من الأحيان، إلى وسيلة لإزعاج الساكنة وتعريض حياة مستعملي الطريق للخطر، حين يعمد بعض السائقين إلى تحويل الشوارع إلى فضاءات للاستعراض والتهور، متجاهلين إشارات المرور وقواعد السير، في سلوك يفتقر إلى أدنى درجات المسؤولية.
وتزداد خطورة الظاهرة حين يتعلق الأمر بفئة من الشباب والمراهقين الذين يقودون دراجاتهم بسرعات مفرطة، ويقدمون على حركات استعراضية خطيرة، من قبيل رفع العجلة الأمامية أو الانطلاق المفاجئ وسط الأحياء السكنية، مما يخلق حالة من الرعب لدى المواطنين، خاصة المرضى والأطفال وكبار السن.
في المقابل، يطرح هذا الوضع تساؤلات جوهرية حول مدى نجاعة السياسات العمومية المرتبطة بتنظيم هذا القطاع. فمن جهة، تعرف الأسواق تدفقًا ملحوظًا للدراجات النارية بمختلف أنواعها، ومن جهة أخرى، يواجه المواطنون صعوبات مرتبطة بتأويل النصوص القانونية وتعدد الإجراءات المتعلقة بالمطابقة والترخيص، في ظل غياب وضوح كافٍ في التنزيل والتطبيق.
هذا التناقض يبرز نوعًا من الارتباك في تدبير الملف، حيث يجد بعض المواطنين أنفسهم في وضعيات قانونية ملتبسة، نتيجة اختلالات في المراقبة أو قصور في التنسيق بين الجهات المعنية. وهو ما يستدعي مراجعة شاملة للمنظومة التنظيمية، بما يضمن التوازن بين تشجيع وسائل النقل الفردية وضمان احترام قواعد السلامة الطرقية.
ورغم ذلك، فإن أي نقاش حول الاختلالات التدبيرية لا يمكن أن يكون مبررًا لتبرئة السلوكيات المتهورة. فالمسؤولية الفردية تظل قائمة، وأي تجاوز للقانون يجب أن يقابل بإجراءات زجرية حازمة، خاصة فيما يتعلق بالدراجات المعدلة لإصدار ضجيج مفرط، أو تلك المستعملة في استعراضات خطيرة داخل الفضاءات الحضرية.
إن حماية أمن المواطنين وسلامتهم تقتضي تفعيلًا صارمًا للقانون، وتعزيز المراقبة الميدانية، إلى جانب حملات تحسيسية تستهدف فئة الشباب، من أجل ترسيخ ثقافة احترام الطريق وقواعد السير. كما أن التنسيق بين مختلف المتدخلين يظل عنصرًا أساسيًا لضمان نجاعة أي تدخل في هذا المجال.
في نهاية المطاف، يظل الشارع فضاءً مشتركًا لا يحتمل الفوضى، والدراجة النارية وسيلة نقل لا ينبغي أن تتحول إلى مصدر تهديد. وبين مسؤولية الدولة في التأطير والتنظيم، ومسؤولية المواطن في الالتزام والانضباط، يظل الحل رهينًا بإرادة جماعية تعيد الاعتبار لهيبة القانون وتحمي حق الجميع في الأمن والسكينة.
