أولاد حسون حمري.. حين تتحول الحصيلة من أرقام معلنة إلى اختبار على أرض الواقع

رصد العدالة – بقلم هيئة التحرير

لا تبدو قراءة حصيلة أي مجلس جماعي مسألة مرتبطة فقط بعدد المشاريع التي تم الإعلان عنها أو بحجم الاعتمادات المالية التي تم رصدها، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر ارتباطاً بالواقع: إلى أي حد تحولت البرامج المعلنة إلى خدمات ملموسة، وإلى أي مدى وصلت آثارها إلى مختلف الدواوير والساكنة؟

هذا السؤال يفرض نفسه عند قراءة المعطيات التي تم تداولها إعلامياً خلال الأشهر الماضية بشأن جماعة أولاد حسون حمري بإقليم الرحامنة، خصوصاً بعد تقديم رئيس المجلس الجماعي عبد الرحمان القادري حصيلة للولاية الحالية، تضمنت مجموعة من الأرقام والمعطيات المرتبطة بالماء والكهرباء والطرق والنقل المدرسي والخدمات الاجتماعية ومشاريع أخرى.

وبحسب ما أوردته تغطيات صحفية، فقد تحدث رئيس الجماعة عن بناء 13 خزاناً مائياً، وإحداث مضخات بالطاقة الشمسية، وتزويد أكثر من 13 دواراً بالماء الصالح للشرب، إلى جانب تزويد 12 دواراً بالكهرباء، وإنجاز عدد من السقايات العمومية، فضلاً عن مشاريع في قطاعات الصحة والتعليم والطرق والنقل المدرسي.

كما تم الإعلان عن مشاريع مبرمجة برسم سنة 2026، بغلاف مالي يفوق أربعة ملايين درهم، تشمل، وفق المعطيات المنشورة، اقتناء مضخات وألواح شمسية، واستكمال كهربة عدد من الدواوير، وتوسيع شبكات الطرق والماء، وإنجاز تجهيزات جماعية أخرى. لكن الأرقام، مهما كانت مهمة، لا تنهي النقاش. بل ربما تكون بداية له.

ما بين الإعلان والإنجاز

في الجماعات القروية، لا تقاس المشاريع فقط بتاريخ المصادقة عليها أو قيمة الاعتماد المخصص لها، وإنما بمدى وصولها إلى المواطن.

فالخزان المائي، مثلاً، لا يكتسب قيمته فقط باعتباره مشروعاً منجزاً، وإنما بما إذا كان قد ساهم فعلياً في ضمان التزود بالماء وبشكل منتظم. والطريق لا تقاس فقط بطول المقطع الذي تمت تهيئته، وإنما بمدى تحسينها ظروف التنقل، خصوصاً بالنسبة إلى التلاميذ والمرضى والفلاحين والساكنة التي ترتبط مصالحها اليومية بالمراكز المجاورة.

والكهربة لا تتوقف عند الإعلان عن مشروع للربط، وإنما ترتبط بعدد الأسر التي أصبحت تستفيد فعلياً من الخدمة. من هنا، فإن الانتقال من لغة الحصيلة إلى لغة الأثر يمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم واقع التدبير الجماعي.

الماء.. الملف الذي لا تنتهي أسئلته بالأرقام

الماء الصالح للشرب حاضر بقوة في المعطيات المنشورة حول جماعة أولاد حسون حمري. فمن جهة، توجد مشاريع أعلن عنها المجلس، ومن جهة أخرى، ظلت قضية تعميم الاستفادة من الماء ضمن الملفات التي حضرت في النقاشات المتعلقة بحاجيات العالم القروي.

وفي لقاء تواصلي احتضنته الجماعة خلال شتنبر 2026، قدم رئيس المجلس معطيات تفيد بأن نسبة التغطية بالماء والكهرباء تجاوزت 80 في المائة، مع استمرار العمل على استكمال الربط لفائدة التجمعات التي لم تستفد بعد. كما تم الحديث عن مشروع لتزويد 143 أسرة بالكهرباء ومشاريع طرقية لفك العزلة عن عدد من الدواوير. وهنا تحديداً تظهر أهمية التفريق بين نسبة التغطية وجودة واستمرارية الخدمة.

فقد تكون النسبة مرتفعة، ومع ذلك تبقى بعض المناطق أمام إشكالات مرتبطة بالاستمرارية أو الضغط أو البنية التحتية أو المسافة أو طبيعة الربط. ولهذا، فإن قراءة هذا الملف تحتاج إلى معطيات دقيقة حول عدد الأسر المستفيدة فعلياً، والدواوير التي ما زالت خارج الشبكة، والمشاريع التي توجد في طور الإنجاز، وتلك التي ما زالت في مرحلة البرمجة.

الطرق.. هل انتهت العزلة أم تغيرت فقط طبيعتها؟

الطرق والمسالك القروية كانت بدورها من الملفات التي حضرت في البرامج والتغطيات المتعلقة بالجماعة.

وقد أشارت المعطيات المنشورة إلى مشاريع وشراكات تستهدف تحسين عدد من المسالك وفك العزلة عن دواوير مختلفة. كما سبق أن ناقش المجلس خلال دورة ماي 2026 قضايا مرتبطة بالطرق والتدبير المالي وعدد من ملفات التنمية المحلية. لكن سؤال الطرق لا يتعلق فقط بإنجاز مقطع طرقي هنا أو مسلك هناك.

إنه سؤال مرتبط بشبكة متكاملة: الطريق التي تربط الدوار بالمركز، والمسلك الذي يسلكه التلميذ، والمحور الذي يربط الفلاح بالسوق، والطريق التي يسلكها المريض للوصول إلى أقرب مؤسسة صحية. وبالتالي، فإن قياس أثر هذه المشاريع يتطلب النظر إلى الصورة الكاملة، وليس إلى كل مشروع بشكل منفصل.

التعليم والنقل المدرسي.. الأثر الاجتماعي أهم من الرقم

يكتسي التعليم أهمية خاصة في الجماعات القروية، حيث يمكن أن يتحول بُعد المؤسسة التعليمية أو صعوبة التنقل إليها إلى عامل مؤثر في الاستقرار الدراسي.

وتظهر المعطيات المنشورة وجود دعم للنقل المدرسي وبناء وتجهيز مرافق اجتماعية مرتبطة بالتمدرس، في وقت تؤكد فيه المعطيات الرسمية المرتبطة بالموسم الدراسي 2025-2026 أهمية النقل المدرسي والإيواء في دعم تمدرس أبناء العالم القروي.

وفي المقابل، سبق أن نشرت إحدى المنابر الإعلامية مادة حول واقعة مرتبطة بغياب النقل المدرسي بجماعة أولاد حسون، وما خلفته من استياء لدى عدد من التلاميذ وأولياء الأمور. وهذه الواقعة، بصرف النظر عن أسبابها وتفاصيلها، تبرز الفرق بين وجود خدمة على الورق وبين انتظامها واستمراريتها في الواقع. وهنا أيضاً لا يكفي تسجيل وجود النقل المدرسي، بل يصبح السؤال متعلقاً بمدى انتظامه، وتغطية الدواوير، وعدد المستفيدين، وطبيعة التدبير، وكيفية معالجة حالات التوقف أو الاضطراب.

التدبير المالي.. جزء من الصورة وليس كل الصورة

لا يمكن قراءة الحصيلة الجماعية بعيداً عن طريقة تدبير الميزانية. فخلال أكتوبر 2025، عرف مشروع ميزانية 2026 نقاشاً داخل المجلس، بعدما لم يحظ بالمصادقة في القراءة الأولى، قبل أن تتم المصادقة عليه لاحقاً في قراءة ثانية بأغلبية الأصوات. ولا يعني هذا المسار، في حد ذاته، وجود خلل في التدبير، كما لا يعني تلقائياً وجود انسجام كامل داخل المجلس.

إنه ببساطة جزء من الحياة المؤسساتية لمجلس منتخب، ويستحق أن يقرأ في سياقه القانوني والسياسي، خصوصاً عندما تكون الميزانية هي الأداة التي تتحول من خلالها البرامج إلى اعتمادات ثم إلى مشاريع وخدمات. والسؤال الأهم هنا هو: كيف انعكست الاختيارات المالية على الأولويات التي تم الإعلان عنها؟ وهل توجهت الموارد إلى الملفات التي تعتبرها الساكنة الأكثر استعجالاً؟

من يتحمل مسؤولية المشاريع؟

من النقاط التي تستحق الانتباه كذلك أن عدداً من المشاريع في العالم القروي لا تنجز دائماً بإمكانات الجماعة وحدها.

فالمعطيات المنشورة تشير إلى شراكات مع المجلس الإقليمي ومؤسسات أخرى في عدد من المشاريع، خصوصاً في مجال الطرق وبعض التجهيزات. وهذا يعني أن تقييم حصيلة الجماعة ينبغي أن يميز بين ثلاثة مستويات: ما يدخل ضمن الاختصاص المباشر للجماعة، وما يتم إنجازه في إطار شراكات، وما يرتبط بمؤسسات عمومية أخرى. وهذا التمييز ضروري حتى لا تُنسب إلى مؤسسة واحدة مشاريع تتقاسم مسؤولية تمويلها أو تنفيذها عدة جهات، كما لا ينبغي تحميل الجماعة وحدها مسؤولية ملفات تتجاوز إمكاناتها واختصاصاتها القانونية.

الحصيلة تحتاج إلى وثيقة وواقع ومقارنة

بين المعطيات التي يقدمها المجلس، وما تنشره وسائل الإعلام، وما يتداول في النقاش المحلي، تبقى الوثيقة الرسمية هي العنصر الذي يسمح بتدقيق الصورة. فالحديث عن مشروع يستدعي معرفة تاريخ برمجته، وكلفته، ومصدر تمويله، ووضعية إنجازه، والجهة المكلفة به، ومراحل التنفيذ. والحديث عن نسبة استفادة يستدعي معرفة طريقة احتسابها والفترة الزمنية التي تغطيها. والحديث عن حصيلة مالية يستدعي الرجوع إلى الميزانية والحسابات والوثائق المرتبطة بتنفيذها. لهذا، فإن القراءة المهنية للحصيلة لا ينبغي أن تنطلق من سؤال: من على حق؟ بل من سؤال أكثر دقة: ماذا تقول الوثائق؟ وماذا تقول الأرقام؟ وماذا يقول الواقع؟

المرحلة المقبلة.. من المشاريع إلى قياس الأثر

المعطيات المنشورة خلال 2026 تظهر أن عدداً من الملفات ما زال حاضراً في النقاش حول أولاد حسون حمري: الماء، الكهرباء، الطرق، النقل المدرسي، السكن والبناء، والاستثمار وخلق فرص الشغل. وهذا لا يعني بالضرورة أن المشاريع لم تنجز، كما لا يعني أن كل المطالب لم تجد طريقها إلى الحل.

لكنه يعني أن مرحلة جديدة من التقييم تفرض نفسها: الانتقال من تعداد المشاريع إلى قياس أثرها. فالمواطن لا يعيش داخل جداول الميزانية، وإنما داخل واقع يومي. يريد الماء يصل بانتظام، والطريق تكون سالكة، والتلميذ يصل إلى مدرسته، والأسرة تستفيد من الخدمات، والشاب يجد فرصاً للاستقرار والعمل.

ومن هنا، فإن الحصيلة الحقيقية لأي مجلس جماعي لا تختصر في عدد المشاريع التي أعلن عنها، ولا في حجم الانتقادات التي وجهت إليه. إنها حصيلة مركبة تحتاج إلى قراءة هادئة تجمع بين ما أُعلن، وما تم تمويله، وما أُنجز، وما هو قيد التنفيذ، وما لم يتحقق، ولماذا لم يتحقق.

وفي حالة أولاد حسون حمري، تبدو الصورة، وفق المعطيات المنشورة، خليطاً من مشاريع تم الإعلان عنها أو إنجازها، وأوراش ما تزال مستمرة، وحاجيات قروية لم تختفِ من النقاش.

وهو ما يجعل السؤال الأهم ليس فقط: ماذا أنجز المجلس؟

بل أيضاً: هل كانت وتيرة الإنجاز متناسبة مع حجم الانتظارات؟ وهل أصبح أثر المشاريع واضحاً في الحياة اليومية لمختلف دواوير الجماعة؟ ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي حصيلة جماعية.

Author: rassd al adala

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *